فخر الدين الرازي

80

القضاء والقدر

والثاني : حصول الجسم في الحيز لا حقيقة له ، ولا ماهية له إلا هذا الحصول ، وتحقق هذا الحصول حال كون الجسم معدوما : محال . إلا أن يقال : الجسم حال عدمه حاصل في الحيز ، ومنتقل من حيز إلى حيز آخر . إلا أن هذا لا يقوله عاقل . ولو جاز ذلك ، فكيف الأمان من كون هذه المتحركات والساكنات معدومة ؟ ومعلوم أن من جوز ذلك ، فهو قد فارق العقل بالكلية . الحجة الخامسة : إن الحركة التي هي مقدورة للعبد ، والحركة التي هي مقدورة للّه تعالى . إما أن يكون لهما تحقق وتعين قبل الدخول في الوجود ، أو لا يكون . والأول محال . لأنه لا معنى للمقدور إلا الذي يكون تحققه وتكونه يقع بتأثير القادر . وما كان كذلك ، كان تحققه متأخرا عن تأثير قدرة القادر ، والمتأخر عن تأثير القادر ممتنع أن يكون هو بعينه مقدما على تأثير القادر . فثبت : أن الذي هو مقدور للعبد ، والذي هو مقدور للّه تعالى : لا تحقق له ، ولا تعين له ، قبل الدخول في الوجود . وما كان كذلك ، امتنع أن يقع فيه الامتياز ، وكل ما لا امتياز أن يقال : إن شيئا منه مقدور للعبد ولا للّه ، وشيء آخر منه مقدور للّه ولا للعبد . فثبت : أن القول بأن مقدور العبد غير مقدور اللّه : يفضي إلى هذين القسمين الباطلين ، فيكون باطلا بهذا الطريق . ومعنى قول من يقول : « إن تلك المقدورات أشياء وأمور حاصلة في العدم » أنا نقول : إن بتقدير أن يتحقق في العدم شيء أمور متميزة . إلا أن على هذا التقدير ، يمتنع كونها مقدورة . لأن المقدور هو الذي يكون تحققه ووقوعه ، لأجل تأثير القادر فيه وما كان متحققا في العدم ، يمتنع أن يقال : إن تحققه وتعينه لأجل تأثير القادر فيه . فثبت : أن ما كان مقدورا ، يمتنع كونه متحققا في العدم . وهذا كلام معتقد متين في تقرير هذا المطلوب . الحجة السادسة : إنه تعالى هو الذي أقدر العبد على الفعل . ومن أقدر غيره على شيء ، وجب أن يكون هو قادرا عليه . لأن العاجز عن الشيء ، يمتنع أن يجعل غيره قادرا عليه ، كما أن الجاهل بالشيء يمتنع أن يجعل غيره عالما بذلك الشيء . ولما توافقنا على أن اللّه تعالى هو الذي أقدر العبد على الفعل وثبت : أن من أقدر غيره على

--> - المعدوم لا يصح أن يكون شيئا أو ذاتا أو جوهرا أو عرضا . أما الأشاعرة فقد كانوا يقولون بأن المعدوم ليس بشيء . وينقل الإمام ابن فورك هذا القول عن الإمام الأشعري نفسه ( مجرد المقالات ص 252 ) . وانظر مسألة شيئية المعدوم في : المواقف للإيجي ص 53 . والشامل في أصول الدين للجويني - وقد أطنب في الرد على المعتزلة لقولهم به - ( 124 - 137 ) والتوحيد لأبي منصور الماتريدي ص 86 - 92 ، والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى ص 129 ؛ والفصل لابن حزم 5 / 155 ومقالات الإسلاميين للأشعري ريتر 504 - 505 و 519 - 523 ؛ والفرق بين الفرق للبغدادي ص 179 وأصول الدين له أيضا ص 71 ؛ والتبصير في الدين للأسفراييني ص 57 ؛ والملل والنحل للشهرستاني 1 / 77 و 83 ؛ المعتزلة لزهدي جار اللّه ( ص 58 - 60 ) وفلسفة المعتزلة لألبير نصري نادر ج 2 ، ومناقشة الدكتور أحمد صبحي للموضوع في كتابه علم الكلام ( 1 / 273 - 288 ) .